أيام الله

أيام الله

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،

فلنبدأ بإسم الله وبإذنه وبتوفيقه في التحدث عن أيام الله. ماهي أيام الله؟   ماهو وجه الإختلاف بينها وبين أيام الأرض أو أيام البشر؟

قال الله:  ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون)

فلنبدأ في فهم هذة الآية الكريمة وذلك بتفصيل كلماتها والرجوع لما يرادف كلماتها من كلام الله. 

قال الله:   ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) وكذلك ( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ) فبأمر الله وإذنه تدبر أمور الدنيا. فيسخر الله بذلك ملائكة ولنقل أنهم الملائكة الذين وكلهم الله بتدبير أمور العباد ولنعلم أن الملائكة يختلفون في الخلق فمنهم الكبير ومنهم الصغير وذلك بإختلاف عدد الأجنحة وقد جعلهم الله رسلاً لنا رحمة من عنده عز وجل القادر على كل شيء  ( ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ رُسُلًا أُو۟لِیۤ أَجۡنِحَةࣲ مَّثۡنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَۚ یَزِیدُ فِی ٱلۡخَلۡقِ مَا یَشَاۤءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ). 

ويقول إبن عاشور أن التدبير: حَقِيقَتُهُ التَّفْكِيرُ في إصْدارِ فِعْلٍ مُتْقَنٍ أوَّلُهُ وآخِرُهُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن دُبُرِ الأمْرِ، أيْ آخِرِهِ لِأنَّ التَّدْبِيرَ النَّظَرُ في اسْتِقامَةِ الفِعْلِ ابْتِداءً ونِهايَةً. وهو إذا وُصِفَ بِهِ اللَّهُ تَعالى كِنايَةً عَنْ لازِمِ حَقِيقَتِهِ وهو تَمامُ الإتْقانِ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ وأوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ.

فالله هو الحي القيوم الذي يقيم الأعمال والمدبر لكل شيء ( ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَیُّ ٱلۡقَیُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةࣱ وَلَا نَوۡمࣱۚ لَّهُۥ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِی یَشۡفَعُ عِندَهُۥۤ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ یَعۡلَمُ مَا بَیۡنَ أَیۡدِیهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا یُحِیطُونَ بِشَیۡءࣲ مِّنۡ عِلۡمِهِۦۤ إِلَّا بِمَا شَاۤءَۚ وَسِعَ كُرۡسِیُّهُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا یَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِیُّ ٱلۡعَظِیمُ)

إذاً ما هو أمر الله؟ 

قال  الله :    (أَتَىٰۤ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا یُشۡرِكُونَ)، وقال إبن عباس في هذة أن أمر الله هو القيامة والمعنى العام هو حكم الله وتقديره الذي أراد الله حصوله في الأجل المسمى الذي تقتضيه الحكمة. فالأمر هنا يحتمل عدة أوجه ولكن جذر المعنى هنا هو حكم الله المقضي. 

قال الله:   (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰۤ أَدۡبَارِهَاۤ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّاۤ أَصۡحَـٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا) وهنا يتوضح لنا أن أمر الله أي حكمة كان نتيجة أفعال اللذين أعتدوا في السبت فبذلك لعنهم الله ( وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِینَ ٱعۡتَدَوۡا۟ مِنكُمۡ فِی ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔینَ) ، وبذلك تم أمر الله. 

قال الله :   ( وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلاً مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَیۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَیۡكَۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن یَأۡتِیَ بِـَٔایَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ فَإِذَا جَاۤءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قُضِیَ بِٱلۡحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡمُبۡطِلُون)  [غافر ٧٨]

 ﴿وما كانَ لِرَسُولِ﴾ مِنهُمْ ﴿أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّه﴾ لِأَنَّهُمْ عَبِيد مَرْبُوبُونَ ﴿فَإذا جاءَ أمْر اللَّه﴾ بِنُزُولِ العَذاب عَلى الكُفّار ﴿قُضِيَ﴾ بَيْن الرُّسُل ومُكَذِّبِيها ﴿بِالحَقِّ وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ ظَهَرَ القَضاء والخُسْران لِلنّاسِ وهُمْ خاسِرُونَ في كُلّ وقْت قَبْل ذَلِكَ (الجلالين)

قال الله:   (مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِیِّ مِنۡ حَرَجࣲ فِیمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِی ٱلَّذِینَ خَلَوۡا۟ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرࣰا مَّقۡدُورًا)، وفِي هذة الآية بيان لإباحة تزوج النبي لمطلقةِ دَعِيه وبيان أن ذلك لايخِل بصفة النبوة. ومعنى (فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ) أي قدرة إذ أذِنه بفعله. 

أما بالنسبة الى قوله تعالى:   (وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرࣰا مَّقۡدُورًا)، اصْطَلَحَ عُلَماءُ الكَلامِ: أنَّ القَدَرَ اسْمٌ لِلْإرادَةِ الأزَلِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، ويُطْلِقُونَهُ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ القَدَرُ وهو المَقْدُورُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فالمَعْنى: وكانَ أمْرُ اللَّهِ مُقَدَّرًا عَلى حِكْمَةٍ أرادَها اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ الأمْرِ، فاللَّهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ – عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – بِتَزَوُّجِ زَيْنَبَ الَّتِي فارَقَها زَيْدٌ كانَ عالِمًا بِأنَّ ذَلِكَ لائِقٌ بِرَسُولِهِ – عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – كَما قَدَّرَ لِأسْلافِهِ مِنَ الأنْبِياءِ.

قال إبن باز  في القدر:   الدعاء من القدر، والمكتوب لا يتغير، فالقدر قدران: قدر محتوم لا حيلة فيه، وقدر معلق، فيكون بعض القدر معلق بالدعاء فإذا دعا زال المعلق، قد يكون معلق أن الله جل وعلا يتوب عليه إذا صلى.. إذا صام.. إذا فعل كذا، فهذا قدر معلق الله جل وعلا يرفعه عنه بما فعل من الطاعات والأعمال الصالحات والتوبة.

فالأقدار تعالج بالأقدار، مثلما قال عمر لما أشار  عليه الصحابة في غزواته إلى الشام ووقع الطاعون أشاروا عليه بالرجوع، وأشار بعضهم بعدم الرجوع، ثم استقر أمره على الرجوع من المدينة وعدم القدوم على الطاعون، فقال: تفر من قدر الله؟ فقال: نفر من قدر الله إلى قدره، الله أمرنا بأن لا نقدم عليه لا نقدم على هذا المرض، فإذا تركنا القدوم عليه فقد فررنا من قدر الله إلى قدر الله، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف  فأخبر عمر أن الرسول ﷺ أمر بأن لا يقدم عليه ففرح عمر بذلك وأن الله وفقه لما جاء به النص بعدما استشار الصحابة.

إذاً أمر الله هو حكم الله المكتوب أي هو القدر وكما ظهر لنا أن هناك قدر محكوم ثابت لايتغير وهناك مايتغير. 

ولكن متى كتب الله القدر؟ 

[سألت الوليدَ بنَ عبادةَ بنِ الصامتِ : كيفَ كانت وصيةُ أبيك حينَ حضرَه الموتُ ؟ قال : دعاني فقال : أي بُنَيَّ ، اتقِ اللهَ واعلمْ أنكَ لن تتقِيَ اللهَ ، ولن تبلغَ العلمَ حتى تؤمنَ باللهِ وحدَه ، والقدرِ خيرِه وشرِّه ، إني سمعت رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ : إن أولَ ما خلق اللهُ عزَّ وجلَّ خلق القلمَ ، فقال له : اكتبْ ، قال : يا ربِّ وما أكتبُ ؟ قال : اكتبِ القدرَ ، قال : فجرَى القلمُ في تلك الساعةِ بما كان وبما هو كائنٌ إلى الأبدِ]

الراوي:عبادة بن الصامت 

المحدث:ابن جرير الطبري 

المصدر:تاريخ الطبري الجزء أو الصفحة:1/32 

حكم المحدث:صحيح الصحابة 

وهنا المزيد لتوضيح أن القدر يتغير بالقدر:

[كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قالَ: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ. وفي روايةٍ : بِهذا الإسْنَادِ مِثْلَهُ، غيرَ أنَّهُما لَمْ يَذْكُرَا: وَعَرْشُهُ علَى المَاء.]

الراوي:عبدالله بن عمرو 

المحدث:مسلم 

المصدر:صحيح مسلم الجزء أو الصفحة:2653 حكم المحدث:[صحيح]

[أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، خَرَجَ إلى الشَّامِ، حتَّى إذَا كانَ بسَرْغَ لَقِيَهُ أَهْلُ الأجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فأخْبَرُوهُ أنَّ الوَبَاءَ قدْ وَقَعَ بالشَّامِ. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ فَقالَ عُمَرُ: ادْعُ لي المُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أنَّ الوَبَاءَ قدْ وَقَعَ بالشَّامِ، فَاخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهُمْ: قدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عنْه، وَقالَ بَعْضُهُمْ معكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ علَى هذا الوَبَاءِ فَقالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قالَ ادْعُ لي الأنْصَارِ فَدَعَوْتُهُمْ له، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قالَ: ادْعُ لي مَن كانَ هَاهُنَا مِن مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِن مُهَاجِرَةِ الفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عليه رَجُلَانِ، فَقالوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ علَى هذا الوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ في النَّاسِ: إنِّي مُصْبِحٌ علَى ظَهْرٍ، فأصْبِحُوا عليه، فَقالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِن قَدَرِ اللهِ؟ فَقالَ عُمَرُ: لو غَيْرُكَ قالَهَا يا أَبَا عُبَيْدَةَ، وَكانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ، نَعَمْ نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللهِ إلى قَدَرِ اللهِ، أَرَأَيْتَ لو كَانَتْ لكَ إبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا له عُدْوَتَانِ، إحْدَاهُما خَصْبَةٌ وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ أَليسَ إنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بقَدَرِ اللهِ، وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بقَدَرِ اللهِ، قالَ: فَجَاءَ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ، وَكانَ مُتَغَيِّبًا في بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقالَ: إنَّ عِندِي مِن هذا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: إذَا سَمِعْتُمْ به بأَرْضٍ، فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذَا وَقَعَ بأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بهَا، فلا تَخْرُجُوا فِرَارًا منه. قالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ثُمَّ انْصَرَفَ. وَزَادَ في حَديثِ مَعْمَرٍ قالَ: وَقالَ له أَيْضًا: أَرَأَيْتَ أنَّهُ لو رَعَى الجَدْبَةَ وَتَرَكَ الخَصْبَةَ أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَسِرْ إذًا، قالَ: فَسَارَ حتَّى أَتَى المَدِينَةَ، فَقالَ: هذا المَحِلُّ، أَوْ قالَ: هذا المَنْزِلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.]

الراوي:عبدالله بن عباس 

المحدث:مسلم 

المصدر:صحيح مسلم الجزء أو الصفحة:2219 حكم المحدث:[صحيح]

فعندما نقول أن كل شيء مكتوب ماذا يعني هذا؟ نعم دبر الله لنا أمورنا وكتب كل شيء من أقدار وغيرها. بعض هذة الأقدار ثابت وبعضها يتغير. وعندما يتغير، أو لنقل أن الله يعلم بماذا سيتغير فجميع الطرق التي قد يسلكها الإنسان ماهي الا مكتوبه، ففي الدنيا هذة يهدي الله الناس الى الطريق الصحيح ( إِنَّ عَلَیۡنَا لَلۡهُدَىٰ)، فيوجد طريق الخير وطريق الشر، والفتنه، والصبر والبلاء والدعاء وكل هذا يتحتم عليه إختيار أحد الطرق أو المسارات التي كتبها الله للإنسان. فعند تغيير هذا القدر بقدر آخر وكذلك عندما ترفع الأعمال، يتم إضافة هذا في الكتاب المكتوب ونحن نتحدث عن كتب الأعمال. قال الله:   (   وَوُضِعَ ٱلۡكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِینَ مُشۡفِقِینَ مِمَّا فِیهِ وَیَقُولُونَ یَـٰوَیۡلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلۡكِتَـٰبِ لَا یُغَادِرُ صَغِیرَةࣰ وَلَا كَبِیرَةً إِلَّاۤ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِراً وَلَا یَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) [الكهف ٤٩]

والآن تتضح لنا معاني تدبير الأمور ووقتها وأن الله  خلق ملائكة يكتبون أعمالنا، وقال لنا:     وَإِنَّ عَلَیۡكُمۡ لَحَـٰفِظِینَ (١٠) كِرَامࣰا كَـٰتِبِینَ (١١) یَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ )  الإنفطار: [10 – 12]. فإذا مات الإنسان طويت الصحيفة، وجعلت معه في عنقه، أي في قبره، فإذا كان يوم القيامة نشرت الصحف (وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتۡ)،   وقال الله:     (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: 13 – 14]. كل واحد سيكون مسؤول عن نفسه. 

ومن تمام حكمة الله: أنه يحصي علينا أعمالنا، ويكتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، في اللوح المحفوظ، كما قال:     (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين  ). 

قال الله:   ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلاً مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَ ٰ⁠جاً وَذُرِّیَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن یَأۡتِیَ بِـَٔایَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابࣱ﴾ [الرعد ٣٨]

ونَزَلَ لَمّا عَيَّرُوا المصطفى بِكَثْرَةِ النِّساء: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلك وجَعَلْنا لَهُمْ أزْواجًا وذُرِّيَّة﴾ أوْلادًا وأَنْتَ مِثْلهمْ ﴿وما كانَ لِرَسُولِ﴾ مِنهُمْ ﴿أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّه﴾ لِأَنَّهُمْ عَبِيدٌ مَرْبُوبُونَ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ﴾ مُدَّة ﴿كِتاب﴾ مَكْتُوب فِيهِ تَحْدِيده، وهذا بيان أن الله أحكم تدبيره من قبل خلقه للسماء والأرض، فتمت بهذا كتابة القصة، ثم تم تسخير كل شيء لهذة القصة وهي قصة الخلق. 

قال الله:   ﴿یَمۡحُوا۟ ٱللَّهُ مَا یَشَاۤءُ وَیُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥۤ أُمُّ ٱلۡكِتَـٰبِ﴾ [الرعد ٣٩]

﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من الأقدار ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه وكتبه قلمه فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير لأن ذلك محال على الله، أن يقع في علمه نقص أو خلل ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع له وشعب.

فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابا ولمحوها أسبابا، لا تتعدى تلك الأسباب، ما رسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ.

ويتم تناوب الملائكة على هذة الأعمال اليومية وفيما يلي بيان لهذة القصة:

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قالَ: يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ العَصْرِ وصَلاةِ الفَجْرَ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فِيكم فَيَسْألُهم – وهو أعْلَمُ بِهِمْ – فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْناهم وهم يُصَلُّونَ وأتَيْناهم وهم يُصَلُّونَ» “. ولَمّا «حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في بَنِي قُرَيْظَةَ بِأنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهم وتُسْبى ذُرِّيَّتُهم وتُقَسَّمَ أمْوالُهُمْ، قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ حَكَمَتْ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ» وفي لَفْظٍ «مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ».

وَأصْلُ القِصَّةِ في الصَّحِيحَيْنِ وهَذا السِّياقُ لِمُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ في المَغازِي.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثٍ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ إلى النَّبِيِّ بِذُهَيْبَةٍ في أدِيمٍ مَقْرُوضٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِن تُرابِها. قالَ: فَقَسَّمَها بَيْنَ أرْبَعَةٍ بَيْنَ – عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ والأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ وزَيْدٍ الخَيْرِ ” والرّابِعُ: إمّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ، وإمّا عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ “، قالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ: كُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهَذا مِن هَؤُلاءِ، قالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ألا تَأْمَنُونِي وأنا أمِينُ مَن في السَّماءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّماءِ صَباحًا ومَساءً» “.

 

ثم ننتقل الى وقت حدوث كل هذا، فيوجد عندنا تدبير الأمر وهذا كتابة القدر وهو مكتوب من قبل خلق كل شيء وهذا إستناداً على الحديث الموجود في صحيح مسلم [كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ]، ثم لدينا نزول الأمر وعروجه اليه، وقس على هذة القاعدة كل شيء من أمور العباد والدنيا، فهذا يشمل أمور العباد اليومية وغيرها وكذلك يشمل الأمر المختص بيوم القيامة مثلاً إستناداً على تفسير إبن عباس في قولة تعالى   ( أَتَىٰۤ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا یُشۡرِكُونَ)

ثم ننتقل الى الجزء الذي لاتدركه عقولنا وهو فرق التوقيت بين أيام الله وأيامنا. تخيل أنك في بلد غريب وفِي هذة البلد الغريب، فرق العملة كبير بين عملتها وعملة بلدك، فبذلك عند شرائك مشروب لأول مرة ليظهر لك فرق السعر العجيب، ستستعجب وتسأل نفسك، كيف لي أن أعامل هذا وكأنه في بلدي ولكن السلعة نفسها والسعر تغير تغُير كبير؟ 

بهذا المثل يمكننا محاولة فهم مايحصل أو تفسير أن اليوم عند الله بألف سنة مما نعد. 

قال الله:    (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ )، فهنا والظاهر لنا أن اليوم الواحد عند الله يعادل ألف يوم من أيامنا. 

وفِي هذا بيان على قدرة الله عز وجل وأنه ليس كمثله شيء أحكم الحاكمين العليم بكل شيء، فها نحن بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا لا نساوي  حتى يوم من أيام الله. هل أنت متخيل هذا؟ وإذا تخيلناه بالطريقة الصحيحة فهذا لايعني أننا سندرك الصورة بأكملها لأننا بشر في نهاية المطاف، فمثلاً تخيل كيفية بث البرامج الإذاعية، يتم البث من مصدر الحدث ولكن يوجد تأخير عدة ثواني الى أن يصل الصوت إلينا، فما بالك فرق ألف سنة؟ أو خمسين ألف سنة؟ 

قال الله :   (تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَیۡهِ فِی یَوۡمࣲ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِینَ أَلۡفَ سَنَة) 

وهذا الوقت الأخير يختص بيوم القيامة.

تَعْرُج﴾ بِالتّاءِ والياء ﴿المَلائِكَة والرُّوح﴾ جِبْرِيل ﴿إلَيْهِ﴾ إلى مَهْبِط أمْره مِن السَّماء ﴿فِي يَوْم﴾ مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ أيْ يَقَع العَذاب بِهِمْ فِي يَوْم القِيامَة ﴿كانَ مِقْداره خَمْسِينَ ألْف سَنَة﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى الكافِر لِما يَلْقى فِيهِ مِن الشَّدائِد وأَمّا المُؤْمِن فَيَكُون أخَفّ عَلَيْهِ مِن صَلاة مَكْتُوبَة يُصَلِّيها فِي الدُّنْيا كَما جاءَ فِي الحَدِيث (السيوطي).

وكل هذا الحديث ليستوعب الأنسان حقيقة واحدة وهي سبب وجوده على الأرض، لانقصد قصة سيدنا آدم ولكن المغزى منها الذي دبره الله لنا.

وهذه الحقيقة تتلخص في قوله تعالى:   (وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ (٥٦) مَاۤ أُرِیدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقࣲ وَمَاۤ أُرِیدُ أَن یُطۡعِمُونِ (٥٧) إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِینُ)

 

 

 

 

3 thoughts on “أيام الله

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s