الكوكب الدري

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين

قال الله (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) صدق الله العظيم

في تدبرات سابقة، تم دراسة سورة النور ودورها في إخراج الناس من الظلمات الى النور، كما شملت دراستنا عن دور هذة السورة العظيمة في توجيه المرأة المسلمة، كما تم الرد على بعض من جاء بأحكام تختلف عن شرع الله بما يخص المرأة المسلمة

نود من هذا التدبر التفرد بآية الله نور السموات والأرض لمحاولة معرفة المزيد من الأمثال  التي  تنطبق عليها فهي آية تختص بضرب الأمثال كما في   قوله   تعالى         ( وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) صدق الله العظيم

فهذة الآية الكريمة تصف نور الله وهدايته لعباده، ومااجمل هذة الآية عندما فسرها المفسرون على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، واذا اردت ان تفهمها بصورة كاملة، فاجعل المثل المضروب فيها هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فمالك بعد هذا الا ان تدمع عينيك بعد تدبرها،   وكذلك ذكر الكثير من المفسرين أن هذا الكوكب الدري هو سيد الخلق من صفاء قلبه وقد استمد نوره من نور الله اللذي لانور مثل نوره

ولكن هل وصف المصطفى ينحصر على أنه كوكب دري؟ قال الله ( كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)، وكأنها هنا من باب التشبيه، فمنهم من أخذ معنى الآية حرفياً مستنبطاً المعنى من آية أخرى من القرآن الكريم، ولم يتم أعتبار الآية كمثل

فبذلك قيل أن الكوكب الدري يقصد به الكواكب والنجوم فقط كما في قوله تعالى ( وَلَقَدۡ زَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِمَصَـٰبِیحَ وَجَعَلۡنَـٰهَا رُجُوماً  لِّلشَّیَـٰطِینِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابَ ٱلسَّعِیرِ)، ثم بقوله تعالى ( إِنَّا زَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِزِینَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ)، فنعم أكيد أن هذا هو الكوكب الدري ولكن هل يصح أن نقول على الشمس والقمر انهما مصابيح؟ ماهو المصباح؟ المصباح وبلغة مبسطة هو مايمدنا بالضوء. فالمصباح الخافت الناعم يكون منير، والمصباح القوي الإضاءة والحرارة يكون وهاج وهل هذة من صفات الشمس والقمر؟ الجواب نعم ولكن لماذا لم يذكر الله أنهم مصابيح. السبب هو عظم شأنهم عن النجوم والكواكب فهم لهم دور أكبر في هذه الحياة فسخرهم الله لنا لنعلم الأوقات وعدد السنين والأيام. ولذلك قال الله (كأنها)، فالشمس ينطبق عليها منظر الكوكب الدري (كأنها) مع مراعاة كبر حجمها وبعدها وحرارتها، وكذلك القمر وهذا لاينطبق على العكس فالكوكب الدري لايستطيع أن يكون مثل الشمس أو القمر. وبالتاكيد لانقصد القول بأن الشمس والقمر من الكواكب ولكن تذكر أن الآية تختص بضرب الأمثال. وهنا وفي هذا السياق، نعلم أن الكوكب الدري قد يكون كل مخلوق مضيئ في السماء، وليس فقط الكواكب والمصابيح الموجودة في السماء الدنيا ولذلك قال الله ( الله نور السموات)، ولم يقل نور السماء

وقال الله في السورة انه نور السموات والأرض فالآية تشمل نور الله في جميع مخلوقاته وهذا يشمل ﻧﻮﺭه  في السموات كلها وما فيها من مخلوقات سواء نجوم، كواكب، شمس، قمر وكذلك الملائكة. وكذلك ﻧﻮﺭه  في الأراضين كلها وهذا يشمل كل مافي الأرض من بشر وغير هذا الكثير، وذكرنا سابقاً لماذا يتم وصف الأراضين بالأرض المفرده وهذا لأنها (طباقا) وكذلك (بساطا)، ولأنها اراضين متصلة، فينطبق عليهن وصف الأرض المفرده

فهل وصف المصطفى محصور على أنه كوكب دري؟ نحن نعلم أن مثل الهدى على الأرض هو هدى النبي صلى الله عليه وسلم فنور الله على نور النبي ونور النبي على نور من يهديه الله، ويهدي الله من يشاء ( نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء)، فيظهر أن الكوكب الدري هو من هداه الله، لأنه عز وجل ذكر أنه يهدي من يشاء وهذا دليل على أن مثل نور الله الذي يهدي به من يشاء يخص جميع عباد الله المهديين الصالحين وهذا لنرجع لمقدمة الآية ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض)، وهي للتعميم فنعلم انها تنطبق على كل البشر كذلك فاذا كان تشبيه الكوكب الدري ينطبق على العبد الصالح النقي فهل هذا ينطبق أيضاً على رسول الله؟

الجواب نعم فالرسول هو هذا الكوكب الدري ولكن رسول الله وعلى باب التشبيه والأمثال ترى انه ليس فقط هذا الكوكب الدري، بل شأنه اعظم من هذا الكوكب بكثير كمثل الشمس والقمر، مصابيح ولكن لم يعرِّفهم  الله بانهم مصابيح وذلك لعظم شأنهم. قال الله ( یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ إِنَّاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ شَـٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِیراً (٤٥) وَدَاعِیًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجاً مُّنِیراً)، فوصفه الله هنا بالسراج المنير وهذا أعظم بكثير من الكوكب الدري. بل هو أعظم من الشمس والقمر مجتمعين. فالشمس سراج وهاج ( وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِیهِنَّ نُورࣰا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجاً)، والقمر منير (تَبَارَكَ ٱلَّذِی جَعَلَ فِی ٱلسَّمَاۤءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِیهَا سِرَ ٰ⁠جاً وَقَمَراً مُّنِیراً)، وسبحان الله وصف الله الرسول بانه سراج منير، أي ظاهر كما الشمس بحجة واضحة كما ترى الشمس وهادئ كنور القمر. وفي قوله تعالى ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾، أي وضياء لخلقه يستضيء بالنور الذي أتيتهم به من عند الله عباده ﴿مُنِيرًا﴾ يقول: ضياء ينير لمن استضاء بضوئه، وعمل بما أمره، وإنما يعني بذلك: أنه يهدي به من اتبعه من أمته

فالرسول النبي الأمي هو هذا الكوكب الدري السراج المنير، بينما العبد المهدي الصالح هو هذا الكوكب الدري فقط. ولذلك قال عز وجل (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)، وهذا مثل ينطبق على كل شيء، وفي هذا التدبر تدارسنا تطبيقه على المصطفى صلى الله عليه وسلم

وما يؤكد هذا ماورد عن الرسول في صحيح البخاري

ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺑﻦ اﻟﻤﻨﺬﺭ، ﺣﺪﺛﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻓﻠﻴﺢ، ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺃﺑﻲ، ﻋﻦ ﻫﻼﻝ، ﻋﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻋﻤﺮﺓ، ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ «ﺃﻭﻝ ﺯﻣﺮﺓ ﺗﺪﺧﻞ اﻟﺠﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭﺓ اﻟﻘﻤﺮ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﺒﺪﺭ، ﻭاﻟﺬﻳﻦ ﻋﻠﻰ ﺁﺛﺎﺭﻫﻢ ﻛﺄﺣﺴﻦ ﻛﻮﻛﺐ ﺩﺭﻱ ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎء ﺇﺿﺎءﺓ، ﻗﻠﻮﺑﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﻗﻠﺐ ﺭﺟﻞ ﻭاﺣﺪ، ﻻ ﺗﺒﺎﻏﺾ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻭﻻ ﺗﺤﺎﺳﺪ، ﻟﻜﻞ اﻣﺮﺉ ﺯﻭﺟﺘﺎﻥ ﻣﻦ اﻟﺤﻮﺭ اﻟﻌﻴﻦ، ﻳﺮﻯ ﻣﺦ ﺳﻮﻗﻬﻦ ﻣﻦ ﻭﺭاء اﻟﻌﻈﻢ ﻭاﻟﻠﺤﻢ» رواه البخاري

ﺣﺪﺛﻨﺎ ﻋﺒﺪ اﻟﻌﺰﻳﺰ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ، ﻗﺎﻝ: ﺣﺪﺛﻨﻲ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﺃﻧﺲ، ﻋﻦ ﺻﻔﻮاﻥ ﺑﻦ ﺳﻠﻴﻢ، ﻋﻦ ﻋﻄﺎء ﺑﻦ ﻳﺴﺎﺭ، ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺳﻌﻴﺪ اﻟﺨﺪﺭﻱ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻗﺎﻝ: «ﺇﻥ ﺃﻫﻞ اﻟﺠﻨﺔ ﻳﺘﺮاءﻭﻥ ﺃﻫﻞ اﻟﻐﺮﻑ ﻣﻦ ﻓﻮﻗﻬﻢ، ﻛﻤﺎ ﻳﺘﺮاءﻭﻥ اﻟﻜﻮﻛﺐ اﻟﺪﺭﻱ اﻟﻐﺎﺑﺮ ﻓﻲ اﻷﻓﻖ، ﻣﻦ اﻟﻤﺸﺮﻕ ﺃﻭ اﻟﻤﻐﺮﺏ، ﻟﺘﻔﺎﺿﻞ ﻣﺎ ﺑﻴﻨﻬﻢ» ﻗﺎﻟﻮا ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺗﻠﻚ ﻣﻨﺎﺯﻝ اﻷﻧﺒﻴﺎء ﻻ ﻳﺒﻠﻐﻬﺎ ﻏﻴﺮﻫﻢ، ﻗﺎﻝ: «ﺑﻠﻰ ﻭاﻟﺬﻱ ﻧﻔﺴﻲ ﺑﻴﺪﻩ، ﺭﺟﺎﻝ ﺁﻣﻨﻮا ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻭﺻﺪﻗﻮا اﻟﻤﺮﺳﻠﻴﻦ» رواه البخاري

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ: “اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيّم السموات وَالْأَرْضِ وَمِنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السموات وَالْأَرْضِ وَمِنْ فِيهِنَّ” الْحَدِيثَ

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : ” نُورٌ، أَنَّى أَرَاهُ ؟” رواه مسلم

هذه آية عظيمة وفي نظري انها من اصعب الآيات من حيث تدبرها، فهي مثل، فيهدي الله لنوره من يشاء وبهذا تنطبق على كل البشر اللذين هداهم الله، وكذلك مخلوقاته، وكون انها بدات بقوله تعالى (الله نور السموات والارض) فنور السموات والارض هي تعظيم لشانه عز وجل وايضا كما قال المفسرون انه الله هو من اعطى الشمس والقمر والنجوم من نوره، فلنتفكر، مامثل نوره عز وجل في الشمس؟ اذا كانت الزجاجة هي سقف السماء، والمشكاة هي السماء او مكان وجود الشمس، والشمس هي المصباح، فالزجاجة، وظيفتها هي انتشار الضوء وليس انعكاسة ولم نفسر هنا بل طبقنا المثل على مخلوق آخر من مخلوقاته عز وجل

فيضرب الله للناس الأمثال فلك ان تتدبر هذه الآية على جميع مخلوقات الله، فالزيتونة هنا، لتعلم ان زيت الزيتون هو اقوى مشع للضوء لانه يحتوي على مادة الكلورفيل فلورسينت ولنترض أنها نفسها الموجودة في السماء مما يعطي سبب لوجود مخلوق النهار. فما يجعل ضوء الشمس ينير على الأرض هو المخلوق المنفرد بذاته الذي يسمى بالنهار، وفي النهار تفرز غازات معينه لتجعل هذا النور منتشر هذا الانتشار طبيعي مع ملاحظة ان الشمس اصغر من حجم الأرض ولا نعلم المسافة حيث انها متغيرة. ولكن لنعلم انها تسجد لله كل يوم وتستاذن لتشرق من جديد الى يوم القيامة. وكذلك يفعل القمر وكلاهما يمدهما الله بنوره

2 thoughts on “الكوكب الدري

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s