الموت

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد. 

نتحدث اليوم عن الموت. ماهو هذا المخلوق؟ هل يوجد له صفه خُلقية يتفرد بها؟ هو أمر غيبي ولا نقصد هنا الخوض بما لانعلم، أو لنجعله أمر فلسفي، بل الغرض هو محاولة الوصول الى مايريدنا الله معرفته عن الموت. لنبدأ موضوعنا بذكر أن مخلوق الموت لا يموت الا عندما يُذبح في يوم القيامة فيصبح أهل النار خالدين في النار، وأهل الجنة خالدين في الجنة وبذلك تكون أنتهت وظيفة هذا المخلوق الذي لانعلم عنه الا بعد مانتوقف عن العمل. فقد قال إبن القيم رحمه الله أن الفرق بيننا وبين الروح بأننا نعمل ولانعلم بينما الروح تعلم ولا تعمل. قال الله:   (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) صدق الله العظيم

[إذا صارَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأَهْلُ النَّارِ إلى النَّارِ، جِيءَ بالمَوْتِ حتَّى يُجْعَلَ بيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ لا مَوْتَ، ويا أهْلَ النَّارِ لا مَوْتَ، فَيَزْدادُ أهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إلى فَرَحِهِمْ، ويَزْدادُ أهْلُ النَّارِ حُزْنًا إلى حُزْنِهِمْ.]

الراوي:عبدالله بن عمر 

المحدث:البخاري 

المصدر:صحيح البخاري الجزء أو الصفحة:6548 حكم المحدث:[صحيح]

الموت هو هذا المخلوق الذي طالما عشنا على الأرض، خفنا منه إلا من آمن بالله وطبق كل ما في كتابه. فالهروب منه أمر مستحيل ( كُلُّ نَفۡسٍ ذَاۤىِٕقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ) ولنا هنا أن نذكر كيف يريدنا الله أن نفكر في هذا المخلوق

قال الله:   (ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِیثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِیَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِینَ یَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِینُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَ ٰ⁠لِكَ هُدَى ٱللَّهِ یَهۡدِی بِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ وَمَن یُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ)  صدق الله العظيم 

فهذا الكتاب ومافيه من متشابه، تقشعر من جلود من يخشى الله ثم تلين جلودهم للذكر. متشابهاً تعني هذا الكتاب الموزون الذي لاتناقض فيه ويتشابه في الكمال والجودة وحسن الموضوع وكما قال إبن عثيمين في هذا: ومن الكمال والجودة أن يكون الكلام مناسبًا لموضوعه، بسط في موضع البسط، وإجمال في موضع الإجمال، وتفصيل في موضع التفصيل، وبسط وتطويل في موضع البسط والتطويل، حسب ما تقتضيه البلاغة

أما مثاني وهذة المثاني تختلف عن السبع مثاني، فهي الأزواج الموجودة في القرآن الكريم، والتي ذكراها يولد القشعريرة مما تدفعنا الى ذكر الله. ومن هذة المثاني: السماء والأرض، الليل والنهار، الشمس والقمر، الذكر والأنثى، العسر واليسر، الظلمات والنور، الحسنة والسيئة، الجنة والنار، وكذلك الموت والحياة. فترى هذة الأزواج مقترنة ببعضها البعض، فيذكرهم الله معهاً، ونتعلم منهم الكثير

وكما هو موضح لنا أن الموت والحياة ماهم الا زوجين من المخلوقات وماخلقهم الله الا لغرض واحد يشتركون في تنفيذه

قال الله:   ( تَبَـٰرَكَ ٱلَّذِی بِیَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ (١) ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَیَوٰةَ لِیَبۡلُوَكُمۡ أَیُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلاً  وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡغَفُورُ) صدق الله العظيم

يقول إبن القيم رحمة الله عليه في تفسير هذة الآيات: 

قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: هو أخْلَصُهُ وأصْوَبُهُ

قالُوا: يا أبا عَلِيٍّ، ما أخْلَصُهُ وأصْوَبُهُ؟

فَقالَ: إنَّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصًا، ولَمْ يَكُنْ صَوابًا. لَمْ يُقْبَلْ. وإذا كانَ صَوابًا ولَمْ يَكُنْ خالِصًا: لَمْ يُقْبَلْ. حَتّى يَكُونَ خالِصًا صَوابًا، والخالِصُ: أنْ يَكُونَ لِلَّهِ، والصَّوابُ أنْ يَكُونَ عَلى السُّنَّةِ.

ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] صدق الله العظيم

وَقالَ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥] صدق الله العظيم

أخبر سبحانه أنه خلق السماوات والأرض العالم العلوي والسفلي ليبلونا أينا أحسن عملا

وأخبر أنه زين الأرض بما عليها من حيوان ونبات ومعادن وغيرها لهذا الابتلاء، وأنه خلق الموت والحياة لهذا الابتلاء

فكان هذا الابتلاء غاية الخلق والأمر، فلم يكن من بد من دار يقع فيها هذا الابتلاء، وهي دار التكليف

ولما سبق في حكمته أن الجنة دار نعيم لا دار ابتلاء وامتحان جعل قبلها دار الابتلاء جسرا يعبر عليه إليها، ومزرعة يبذر فيها وميناء يزود منها

وهذا هو الحق الذي خلق الخلق به ولأجله، وهو أن يعبد وحده بما أمر به على ألسنة رسله، فأمر ونهى على السنة ووعدنا بالثواب والعقاب، ولم يخلق خلقه سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يتركهم هملا لا يثيبهم ولا يعاقبهم، بل خلقوا للأمر والنهي والثواب والعقاب، ولا يليق بحكمته وحمده غير ذلك (إبن القيم، ٧٥١ هجري) صدق الله العظيم

ومن ما روي في فضل سورة الملك:

[إنَّ سورةً في القُرآنِ – ثلاثونَ آيةً – تستغفِرُ لصاحبِها حتَّى يُغفَرَ له : {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] ) ؟ فأقَرَّ به أبو أُسامةَ وقال : نَعم]

الراوي:أبو هريرة 

المحدث:ابن حبان 

المصدر:صحيح ابن حبان الجزء أو الصفحة:787 حكم المحدث:أخرجه في صحيحه

[{ تبارك الذي بيدِه الملكُ } هي المنجيةُ من عذابِ القبرِ]

الراوي:- المحدث:ابن القيم 

المصدر:المنار المنيف الجزء أو الصفحة ٩١ 

حكم المحدث:صحيح

ولكن ماهو الموت؟ تعرفنا على أنه مسخر للدار الدنيا وهو موجود للإبتلاء وأن له زوج وهو الحياة وأنه مخلوق مثله مثل الليل والنار والشمس والقمر والسماء والأرض، ولنسأل ماهو المخلوق؟ 

قوله تعالى: ﴿خلقكم﴾ [البقرة: ٢١] أي اخترعكم وأوجدكم. وأصل الخلق التقدير المستقيم. ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاءٍ كقوله: ﴿خلق السماوات والأرض﴾ [التغابن: ٣] ومثله: ﴿بديع السماوات والأرض﴾ [البقرة: ١١٧]. وإذا كان بمعنى الإبداع فهو يختص بالباري تعالى، ولذلك فرق بينه وبين غيره في قوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ [النحل: ١٧]. ويستعمل في إيجاد شيءٍ من شيءٍ. قال تعالى: ﴿خلقكم من نفسٍ واحدةٍ﴾ [النساء: ١]

لننتقل الى قلب هذة المقالة التي تختص بتدبر قوله تعالى:   (ٱللَّهُ یَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِینَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِی لَمۡ تَمُتۡ فِی مَنَامِهَاۖ فَیُمۡسِكُ ٱلَّتِی قَضَىٰ عَلَیۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَیُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰۤ إِلَىٰۤ أَجَلٍ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتٍ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ) صدق الله العظيم

وكذلك قوله تعالى:   (وَهُوَ ٱلَّذِی یَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّیۡلِ وَیَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ یَبۡعَثُكُمۡ فِیهِ لِیُقۡضَىٰۤ أَجَلٌ مُّسَمّى  ثُمَّ إِلَیۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ یُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ) صدق الله العظيم

إذاً ماهي الوفاة؟ 

وقد عبّر عن الموت والنوم بالتَّوَفِّي، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر : 42] ، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام : 60] ، ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة : 11] ، ﴿اللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [النحل : 70] ، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [النحل : 28] ، ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام : 61] ، ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ [يونس : 46] ، ﴿وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ﴾ [آل عمران : 193] ، ﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف : 126] ، ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً﴾ [يوسف : 101] ، ﴿يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَ﴾ [آل عمران : 55] ، وقد قيل: تَوَفِّيَ رفعةٍ واختصاص لا تَوَفِّيَ موتٍ. قال ابن عباس: تَوَفِّي موتٍ، لأنّه أماته ثمّ أحياه

وقوله تعالى :  (   إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَـٰعِیسَىٰۤ إِنِّی مُتَوَفِّیكَ وَرَافِعُكَ إِلَیَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِینَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَیَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَیۡنَكُمۡ فِیمَا كُنتُمۡ فِیهِ تَخۡتَلِفُونَ)،        فرفع الله عبده ورسوله عيسى إليه، وألقي شبهه على غيره، فأخذوا من ألقي شبهه عليه فقتلوه وصلبوه، وباءوا بالإثم العظيم بنيتهم أنه رسول الله

إذا لنلخص كل هذا ونقول أن التوفي هو أمر يختص بإرتفاع الروح الى الله،  وعلى هذا فإننا نتوفى كل يوم في الليل وهذا مايسمى بالموته الصغرى، أما مايسمى بالموته الكبرى فهذا عندما تتوفى النفس ويمسكها الله عنده. وهذه الأخير وكَّل الله بها ملك الموت ومن معه من الملائكة ( ۞ قُلۡ یَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِی وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ)، وكذلك ( ٱلَّذِینَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ طَیِّبِینَ یَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَیۡكُمُ ٱدۡخُلُوا۟ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ) صدق الله العظيم

وكذلك يتوضح الموت في قوله تعالى ( فَلَمَّا قَضَیۡنَا عَلَیۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦۤ إِلَّا دَاۤبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَیَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ ٱلۡغَیۡبَ مَا لَبِثُوا۟ فِی ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِینِ) صدق الله العظيم

وها نحن نخاف من الموت دون فهم ماهية الموت، فلنسأل سؤال هل كنّا موتى من قبل أن نحيا؟ وبعد أن نحيا ثم نموت، هل نحيا مرة أخرى؟ 

قال الله:   (یُخۡرِجُ ٱلۡحَیَّ مِنَ ٱلۡمَیِّتِ وَیُخۡرِجُ ٱلۡمَیِّتَ مِنَ ٱلۡحَیِّ وَیُحۡیِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ تُخۡرَجُونَ)، فالموت والحياة أزواج يتناوبون في العمل الى أن يُذبح الموت يوم القيامة وتتحول الحياة الى حياة خالدة

قال الله:   (كَیۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَ ٰ⁠تاً  فَأَحۡیَـٰكُمۡۖ ثُمَّ یُمِیتُكُمۡ ثُمَّ یُحۡیِیكُمۡ ثُمَّ إِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [البقرة ٢٨]

فلهذة الآية إثبات أننا كنّا موتى قبل أن تكون لنا حياة. خُلق الإنسان من تراب ثم نطفه ثم علقه ثم مضغه (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، فيحتاج التكوين الأولي للخلايا والإخصاب أربعة ايّام، ثم بين كل طور من الأطوار يأخذ أربعين يوم. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ-:”إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجمع فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضغة مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلَمَّاتٍ: بِكَتْبِ عَمَلِهِ وَأَجَلِهِ وَرِزْقِهِ، وَشَقِّيٌ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ. 

ثم أربعة أشهر لينفخ في الروح بإجماع أهل العلم لما روي عن النبي. قال الله(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة: ٧-٩] 

فها نحن موتى في بطون أمهاتنا الى أن يتم النفخ في الروح. فلماذا لا نخاف من هذا الموت ونخاف من الموت الآخر؟ 

فمن الظاهر لنا أن الموت ماهو الا مرحلة منها يتم إخراج الأحياء بنفخ الروح فيهم، وكذلك هي المرحلة التي بسببها تنزع الروح منها فترتقي الى السماء عند ربها (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، وعند هذا الموت ينتقل الى مرحلة أخرى وفيها وأقل مافيها هو إختلاف إبصارنا حيث أننا نبصر عندها بما لم نبصر به من قبل (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ )، وفِي سورة الفجر تطمين لكل مسلم آمن بالله وبما أنزل على جمال هذا الأمر وأنه المراد والمبتغى من هذة الدنيا (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) فأساس السعادة هي الإطمئنان (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، فلهذا لنتفكر قليلاً، لماذا ربط الله النفس المطمئنة برجوعها الى الله (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً)، وبهذا يذكرنا الله أنه لن تفوز الإ هذه النفس، التي تدخل في جملة عباد الله الصالحين(فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) وتدخل في آخر المطاف جنة الخلد (وَادْخُلِي جَنَّتِي). فبهذا نقول أن الموت هو الحالة التي تكون بها الروح منفصلة عن الجسد، وفِي حال كان هذا الجسد قابل على العمل ولكن في حالة سكون كالنوم مثلاً فهذا يسمى بوفاه. والموت يختلف كذلك عن الوفاه بأنه يكون موت ووفاه في نفس الوقت (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) ، فالموت هنا الذي وكِّل به بملك الموت هو الذي سيتوافهنَّ

وليكن لنا العبرة في ضرب الأمثال لنا، ففي إحياء  الأرض بعد موتها آيات بينات تذكرنا على قدرة الله، وكذلك إحياء الموتى في الدنيا كما ذكرنا سابقاً (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) صدق الله العظيم

فبعد كل هذا وبعد أن علمنا أن الموت ماهو الا مرحله تتم بعدها الحياة، فكنا أموات في بطون أمهاتنا ثم أحيانا الله، ثم نموت وندفن تحت التراب، ثم نكتشف أن هذا ماهو الا البداية للحياة الحقيقية، إذاً كيف يريدنا الله أن نتعامل مع هذا الموت؟ 

قال الله:   ( قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡـَٔاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَة مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ)، وهنا إستنكار ونعلم أنهم إذا فعلاً عرفوا ماهي الدار الآخرة لتمنوا الموت. وبعد هذة يقول الله فيهم ( وَلَن یَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِینَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَیَوٰةࣲ وَمِنَ ٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوا۟ۚ یَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ یُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةࣲ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن یُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِیرُۢ بِمَا یَعۡمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة ٩٤-٩٦] صدق الله العظيم

ومثلها في سورة الجمعة قال عز وجل (قُلۡ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ هَادُوۤا۟ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ (٦) وَلَا یَتَمَنَّوۡنَهُۥۤ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِینَ (٧) قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِی تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَـٰقِیكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلۡغَیۡبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة ٥-٨] صدق الله العظيم

فبعد هذا هل لنا أن نخاف من الموت؟ أعتق أن الخوف من الحياة وفتنتها أعظم درجات من الموت. ولنعلم أن هذة الحياة الدنيا ماهي الا محطة عبور. ويرشدنا الله فيها بكتابه ووحيه وهدى نبيه. فقال لنا كذلك عن الموت (قُل لَّن یَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذࣰا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِیلاً (١٦) قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِی یَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوۤءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَة وَلَا یَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِیاً  وَلَا نَصِیراً (١٧)﴾ [الأحزاب ١٤-١٧] صدق الله العظيم

فهل بعد كل هذا ستخاف من الموت، وأنت تعلم أن أجلك مكتوب في كتاب؟ ويقول لك الله، إذا فررت من الموت، فإنك لن تمتع الا قليلا

اذاً هل جواب هذا أنه على المسلم أن يتمنى الموت؟ على المسلم أن يشرق للحياة ويحارب الصعاب ويقهر المصاعب واذا وصل الى الموت فانه لايخاف منه بل يواجهه ولا يتمناه الا اذا خاف على نفسه من الفتنه

[لَا يَتَمَنَّى أحَدُكُمُ المَوْتَ إمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وإمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ.]

الراوي:أبو هريرة 

المحدث:البخاري 

المصدر:صحيح البخاري الجزء أو الصفحة:7235 حكم المحدث:[صحيح]

وهذه نصيحة لوجه الله، عندما تصلي، صلي معتقداً أنها إذا كانت آخر صلاة في حياتك. 

[اذكرِ الموتَ في صلاتِك ، فإنَّ الرجلَ إذا ذكر الموتَ في صلاتِه لحريٌّ أن يُحسنَ صلاتَه ، وصَلِّ صلاةَ رجلٍ لا يظنُّ أن يُصلِّيَ صلاةً غيرَها ، و إياك و كلُّ أمرٍ يُعتذرُ منه]

الراوي:أنس بن مالك 

المحدث:الألباني 

المصدر:السلسلة الصحيحة الجزء أو الصفحة:2839 حكم المحدث:إسناده حسن