البلد الأمين

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

نختص في هذا المقال بالحديث عن البلد الأمين ودعاء سيدنا إبراهيم

إن سيدنا إبراهيم اﻟﺨﻠﻴﻞ هو المثل الذي يضرب به فطرة الناس التي فطر الناس عليها، فقبل الرسالة، لم يكن يعبد الأصنام وكان نقياً طاهراً حتى من قبل أن يوحى إليه، وكانت دعواته هي الدعوات الباقية الى يوم الدين، فقد سأل ربه أن يجعل له لسان صدق حتى في أهل الآخرين ( وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ ) ، وكان أواه حليم ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ )، ذو قلب سليم ( إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )، ينيب الى الله ويخاف على قومه فيدعي الله بإن يبعث رسولاً من بعده ليعلمهم الكتاب والحكمة (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )، دعى سيدنا إبراهيم الله فأستجاب وبعث لنا الحبيب المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ثم ينزل القرآن لينذر أم القرى مره أخرى بعد أن تطاول عليهم الزمن ورجعت الأصنام (وَكَذَ ٰ⁠لِكَ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِیاً لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ یَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَیۡبَ فِیهِۚ فَرِیق فِی ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِیق فِی ٱلسَّعِیرِ)، فيوجد من أهل أم القرى من هم أهل النار،  ودعى سيدنا إبراهيم الله بأن يجعل أم القرى آمنة فقال ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ )، فأستجاب له الله وذلك بين في قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا)، وَكذلك قال تعالى (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّة مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) صدق الله العظيم

فالسؤال الذي نريد توضيح إجابته، إذا كان هذا البلد في أمان فهل أنت أيضاً في أمان؟ ونتحدث عن أمان من الفتنة وعذاب الله والتي يقتضي بموجبها الأمور الأخرى

قال الله ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) صدق الله العظيم

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي طَلْحَة ” اِلْتَمِسْ لِي غُلَامًا مِنْ غِلْمَانكُمْ يَخْدُمنِي” فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَة يُرْدِفنِي وَرَاءَهُ فَكُنْت أَخْدُم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّمَا نَزَلَ وَقَالَ فِي الْحَدِيث ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُد قَالَ ” هَذَا جَبَل يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ ” فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَة قَالَ ” اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّم مَا بَيْن جَبَلَيْهَا مِثْل مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيم مَكَّة اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدّهمْ وَصَاعهمْ” وَفِي لَفْظ لَهُمَا ” بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالهمْ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعهمْ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي مُدّهمْ

وَعَنْ أَبِي سَعِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ” اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة فَجَعَلَهَا حَرَامًا وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَة حَرَامًا مَا بَيْن مَأْزِمَيْهَا أَنْ لَا يُراق فِيهَا دَم وَلَا يُحْمَل فِيهَا سِلَاح لِقِتَالٍ وَلَا تُخْبَط فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلَفٍ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدّنَا اللَّهُمَّ اِجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَة بَرَكَتَيْنِ” رواه مسلم

جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ سَوَّلَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم فَتْح مَكَّة ” إِنَّ هَذَا الْبَلَد حَرَّمَهُ اللَّه يَوْم خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَهُوَ حَرَام بِحُرْمَةِ اللَّه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلّ الْقِتَال فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلّ لِي إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار فَهُوَ حَرَام بِحُرْمَةِ اللَّه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يُعْضَد شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ” فَقَالَ الْعَبَّاس : يَا رَسُول اللَّه إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ فَقَالَ” إِلَّا الْإِذْخِرَ ” وَهَذَا لَفْظ مُسْلِم وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْو مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيّ بَعْد ذَلِكَ : وَقَالَ أَبَان بْن صَالِح عَنْ الْحَسَن بْن مُسْلِم عَنْ صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْله وَهَذَا الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ رَوَاهُ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه بْن مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ يُونُس بْن بُكَيْر عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ أَبَان بْن صَالِح عَنْ الْحَسَن بْن مُسْلِم بْن يَنَّاق عَنْ صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة : قَالَتْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب عَام الْفَتْح فَقَالَ ” يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّة يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض فَهِيَ حَرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يُعْضَد شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّر صَيْدهَا وَلَا يَأْخُذ لُقَطَتهَا إِلَّا مُنْشِدٌ ” فَقَالَ الْعَبَّاس : إِلَّا الْإِذْخِر فَإِنَّهُ لِلْبُيُوتِ وَالْقُبُور فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” إِلَّا الْإِذْخِر ” وَعَنْ أَبِي شُرَيْح الْعَدَوِيّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْن سَعِيد وَهُوَ يَبْعَث الْبُعُوث إِلَى مَكَّة اِئْذَنْ لِي أَيّهَا الْأَمِير أَنْ أُحَدِّثك قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَد مِنْ يَوْم الْفَتْح سَمِعْته أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرْته عَيْنَايَ حِين تَكَلَّمَ بِهِ – إِنَّهُ حَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ” إِنَّ مَكَّة حَرَّمَهَا اللَّه وَلَمْ يُحَرِّمهَا النَّاس فَلَا يَحِلّ لِامْرِئٍ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر أَنْ يَسْفِك بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضُد بِهَا شَجَرَة فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا إِنَّ اللَّه أَذِنَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَأْذَن لَكُمْ . وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَة مِنْ نَهَار وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتهَا الْيَوْم كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ” فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْح مَا قَالَ لَك عَمْرو ؟ قَالَ أَنَا أَعْلَم بِذَلِكَ مِنْك يَا أَبَا شُرَيْح إِنَّ الْحَرَم لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَهَذَا لَفْظه

فالآن يتضح لنا قوانين الأمان التي وضعها الله لهذا البلد الأمين، وحديث الرسول يؤكد على ماحُرِّم فيها وحتى الأشجار فقال لنا كيف نتعامل معها عند بيت الله، ولكن لنتمعن قليلاً قوله تعالى ( وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )، أي أستجاب الله لسيدنا إبراهيم وقال له أنه من يكفر هناك، سنمتعه الى يوم القيامة ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، فهذا كما ذكرنا سابقاً من أشد العواقب وهي أن يعطيك الله الى أن تموت ثم يحاسبك في القبر ويوم الحساب. ولكن ماذا إن لم يكفر الإنسان بل سارع في إرتكاب الذنوب والمعاصي؟ هل يستطيع القول بأنه في أمان لأنه في البلد الأمين؟ قال الله ( ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِی ٱلنَّاسِ لِیُذِیقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِی عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ)، فاذا ظهرت المفسده فالله ( لِیُذِیقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِی عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ)، وحتى إن كانوا في أي مكان. قال الله ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا )، ولكن مايدريك اذا يجعلك الله تدخله أم لا؟ الله قادر أن يضع سد بين من يعصي أمره وبين بيته. ولننظر في حادثة تكاثر الجراد والصراصير حول الحرم، كم من الناس أمتنعوا عن زيارة المسجد الحرام الى أن تذهب كل هذه الحشرات؟

فنعم هذا البلد آمن وشهد التاريخ وجود بعض المخالفات التي لم تأخذ بماقاله المصطفى عن حرمة بيت الله ومكة سواء كانت من قتال وغيرها، بل تم تجاهل قول الله ورسوله في هذا. ولعل هذا كان في مراحل إستبدال قوم بقوم آخر، أو تطهير للناس من الفتن، أو تعذيب من أراد بنشر الظلم فيه. وكذلك لا ننسى الإبتلاء. فإذا نظرنا الى هذا من زاوية أخرى، فهذا جزء من الأمان الذي وضعه الله لهذا البيت فكل هذا ماهو الا تطهير، فالبيت آمن والله يطهر الناس أو يستبدل غيرهم. جزء من دعاء سيدنا أبراهيم يقتضي إبعاد الناس عن الضلاله وإن كانت الأصنام هي سبب الضلالة في زمنه (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ )، فتوجد أسباب هذا الزمن للضلالة أيضاً وتبقى الضلالة ضلالة ( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) صدق الله العظيم

قال الله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) صدق الله العظيم

وفي قوله ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ)، أَيْ: يَهُمّ فِيهِ بِأَمْرٍ فَظِيعٍ مِنَ الْمَعَاصِي الْكِبَارِ

ولنا المثل في حفظ الله لهذا البلد في أبرهه الحبشي عندما قصد هدم الكعبة فأنزل الله ( أَلَمۡ تَرَ كَیۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَـٰبِ ٱلۡفِیلِ (١) أَلَمۡ یَجۡعَلۡ كَیۡدَهُمۡ فِی تَضۡلِیلࣲ (٢) وَأَرۡسَلَ عَلَیۡهِمۡ طَیۡرًا أَبَابِیلَ (٣) تَرۡمِیهِم بِحِجَارَةࣲ مِّن سِجِّیل (٤) فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفࣲ مَّأۡكُولِۭ (٥)﴾ [الفيل ١-٥]  صدق الله العظيم

هَذِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى قُرَيْشٍ، فِيمَا صَرَفَ عَنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْفِيلِ، الَّذِينَ كَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى هَدْمِ الْكَعْبَةِ وَمَحْوِ أَثَرِهَا مِنَ الْوُجُودِ، فَأَبَادَهُمُ اللَّهُ، وَأَرْغَمَ آنَافَهُمْ، وَخَيَّبَ سَعْيَهُمْ، وَأَضَلَّ عَمَلَهُمْ، وَرَدهم بِشَرِّ خَيْبَةٍ. وَكَانُوا قَوْمًا نَصَارَى، وَكَانَ دِينُهُمْ إِذْ ذَاكَ أَقْرَبَ حَالًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. وَلَكِنْ كَانَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِرْهَاصِ وَالتَّوْطِئَةِ لِمَبْعَثِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ وُلِدَ عَلَى أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ، وَلِسَانُ حَالِ الْقَدَرِ يَقُولُ: لَمْ نَنْصُرْكُمْ -يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ-عَلَى الْحَبَشَةِ لِخَيْرِيَّتِكُمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ صِيَانَةً لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ الَّذِي سَنُشَرِّفُهُ وَنُعَظِّمُهُ وَنُوَقِّرُهُ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ

ولنا أن نذكر بعض قصص التاريخ اللتي تذكر حوادث تختص بالقتال أو الخلاف في مكة وأولها قتل الحجاج لعبد الله إبن الزبير في بطن مكة

ﻗﺎﻝ اﻟﻮاﻗﺪﻱ، ﻭﺣﺪﺛﻨﻲ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺳﻌﻴﺪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺣﺴﻴﻦ، ﻋﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﻣﻮﻟﻰ ﺃﺳﻤﺎء ﺑﻨﺖ ﺃﺑﻲ ﺑﻜﺮ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ ﻗﺎﻟﺖ: ﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻗﺒﻞ ﻗﺘﻞ اﺑﻦ اﻟﺰﺑﻴﺮ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ ﺑﻴﻮﻡ ﻗﺎﻟﺖ ﺃﻣﻪ: ﺧﺬﻟﻮﻩ ﻭﺃﺣﺒﻮا اﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﻟﻢ ﻳﻨﻈﺮﻭا ﻟﺪﻳﻨﻬﻢ ﻭﻻ ﻷﺣﺴﺎﺑﻬﻢ ﺛﻢ ﻗﺎﻣﺖ ﺗﺼﻠﻲ ﻭﺗﺪﻋﻮ ﻭﺗﻘﻮﻝ: ” §اﻟﻠﻬﻢ ﺇﻥ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ اﻟﺰﺑﻴﺮ ﻛﺎﻥ ﻣﻌﻈﻤﺎ ﻟﺤﺮﻣﺘﻚ، ﻛﺮﻳﻪ ﺇﻟﻴﻪ ﺃﻥ ﺗﻌﺼﻰ، ﻭﻗﺪ ﺟﺎﻫﺪ ﻓﻴﻚ ﺃﻋﺪاءﻙ، ﻭﺑﺬﻝ ﻣﻬﺠﺔ ﻧﻔﺴﻪ ﻟﺮﺟﺎء ﺛﻮاﺑﻚ، اﻟﻠﻬﻢ ﻓﻼ ﺗﺨﻴﺒﻪ، اﻟﻠﻬﻢ اﺭﺣﻢ ﻃﻮﻝ ﺫﻟﻚ اﻟﺴﺠﻮﺩ ﻭاﻟﻨﺤﻴﺐ، ﻭﻃﻮﻝ ﺫﻟﻚ اﻟﻈﻤﺄ ﻓﻲ اﻟﻬﻮاﺟﺮ، اﻟﻠﻬﻢ ﻻ ﺃﻗﻮﻝ ﺫﻟﻚ ﺗﺰﻛﻴﺔ ﻟﻪ، ﻭﻟﻜﻨﻪ اﻟﺬﻱ ﺃﻋﻠﻢ، ﻭﺃﻧﺖ ﺃﻋﻠﻢ ﺑﻪ، اﻟﻠﻬﻢ ﻭﻛﺎﻥ ﺑﺮا ﺑﺎﻟﻮاﻟﺪﻳﻦ ” ﻗﺎﻝ: ﻓﻠﻤﺎ ﺃﺻﺒﺤﻨﺎ ﻳﻮﻡ اﻟﺜﻼﺛﺎء ﺟﺎء ﺃﻣﻪ ﻓﻮﺩﻋﻬﺎ، ﺛﻢ ﺧﺮﺝ ﻣﻦ ﻋﻨﺪﻫﺎ، ﻓﺄﺻﺎﺑﺘﻪ ﺭﻣﻴﺔ ﻓﻮﻗﻊ، ﻓﺘﻐﺎﻭﺭﻭا ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻘﺘﻠﻮﻩ

1674

ﺣﺪﺛﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻋﻤﺮ ﻗﺎﻝ: ﺛﻨﺎ ﺳﻔﻴﺎﻥ، ﻋﻦ ﺃﺑﻲ اﻟﻤﺤﻴﺎﺓ، ﻋﻦ ﺃﻣﻪ، ﻗﺎﻟﺖ: ” ﻟﻤﺎ ﻗﺘﻞ اﻟﺤﺠﺎﺝ ﺑﻦ ﻳﻮﺳﻒ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ اﻟﺰﺑﻴﺮ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ، ﺩﺧﻞ اﻟﺤﺠﺎﺝ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﻤﺎء ﺑﻨﺖ ﺃﺑﻲ ﺑﻜﺮ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ، ﻓﻘﺎﻝ: ﻳﺎ ﺃﻣﻪ، ﺇﻥ ﺃﻣﻴﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﺃﻭﺻﺎﻧﻲ ﺑﻚ، ﻓﻬﻞ ﻟﻚ ﻣﻦ ﺣﺎﺟﺔ؟ ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻣﺎ ﻟﻲ ﻣﻦ ﺣﺎﺟﺔ، ﻭﻟﺴﺖ ﺑﺄﻡ ﻟﻚ، ﻭﻟﻜﻨﻲ ﺃﻡ اﻟﻤﺼﻠﻮﺏ ﻋﻠﻰ ﺭﺃﺱ اﻟﺜﻨﻴﺔ، ﻓﺎﻧﻈﺮ ﺣﺘﻰ ﺃﺣﺪﺛﻚ ﻣﺎ ﺳﻤﻌﺖ ﻣﻦ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﺳﻤﻌﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻳﻘﻮﻝ: ” §ﻳﺨﺮﺝ ﻓﻲ ﺛﻘﻴﻒ ﻛﺬاﺏ ﻭﻣﺒﻴﺮ ” ﻓﺄﻣﺎ اﻟﻜﺬاﺏ ﻓﻘﺪ ﺭﺃﻳﻨﺎﻩ، ﻭﺃﻣﺎ اﻟﻤﺒﻴﺮ ﻓﺄﻧﺖ ﻓﻘﺎﻝ اﻟﺤﺠﺎﺝ: ﻣﺒﻴﺮ اﻟﻤﻨﺎﻓﻘﻴﻦ

ﻗﺎﻝ اﻟﻮاﻗﺪﻱ: ﻭﺣﺪﺛﻨﺎ ﻣﻮﺳﻰ ﺑﻦ ﻳﻌﻘﻮﺏ، ﻋﻦ ﻋﻤﻪ، ﻋﻦ ﺃﺑﻴﻪ ﻗﺎﻝ: ” §ﻛﻨﺖ ﺇﻟﻰ ﺟﻨﺐ اﺑﻦ اﻟﺰﺑﻴﺮ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ ﻭﻫﻮ ﻳﺼﻠﻲ ﺧﻠﻒ اﻟﻤﻘﺎﻡ ﻭﺣﺠﺎﺭﺓ اﻟﻤﻨﺠﻨﻴﻖ ﺗﻬﻮﻱ ﻣﻠﻤﻠﻤﺔ ﻣﻠﺴﺎء ﻛﺄﻧﻬﺎ ﺧﺮﻃﺖ، ﻭﻣﺎ ﻳﺼﻴﺒﻪ ﻣﻨﻬﺎ ﺷﻲء، ﻓﻮﻗﻒ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻮﻟﻰ ﻟﻪ ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻳﺴﺎﺭ، ﻓﻘﺎﻝ: ﻗﺪﻡ ﺟﺎﺑﺮ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﻭﺭاﻓﻊ ﺑﻦ ﺧﺪﻳﺞ ﻭﺳﻠﻤﺔ ﺑﻦ اﻷﻛﻮﻉ ﻭﺃﺑﻮ ﺳﻌﻴﺪ اﻟﺨﺪﺭﻱ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻢ ﺁﻧﻔﺎ، ﻓﻜﻠﻤﻮا اﻟﺤﺠﺎﺝ ﻓﻲ ﺃﻥ ﻳﺪﻋﻪ، ﻓﺈﻧﻪ ﻗﺪ ﻣﻨﻊ اﻟﻨﺎﺱ ﻣﻦ اﻟﻄﻮاﻑ ﺑﺎﻟﺒﻴﺖ، ﻓﺄﺭﺳﻞ ﺇﻟﻰ ﺃﺻﺤﺎﺏ اﻟﻤﻨﺠﻨﻴﻖ ﻭﻋﻠﻴﻬﻢ ﻃﺎﺭﻕ ﺑﻦ ﻋﻤﺮﻭ ﺃﻥ ﻳﻜﻔﻮا، ﻓﻜﻔﻮا ﺣﺘﻰ ﺻﺪﺭ اﻟﻨﺎﺱ ﻣﻦ اﻟﻄﻮاﻑ، ﻓﺄﺭﺳﻞ ﺇﻟﻰ ﺃﺻﺤﺎﺏ اﻟﻤﻨﺠﻨﻴﻖ ﻭﻋﻠﻴﻬﻢ ﻃﺎﺭﻕ ﺑﻦ ﻋﻤﺮﻭ، ﻓﻜﺎﻥ ﻣﻦ ﻗﻮﻝ اﻟﺤﺠﺎﺝ: ﺇﻧﻲ ﻟﻜﺎﺭﻩ ﻟﻤﺎ ﺗﺮﻭﻥ، ﻭﻟﻜﻦ اﺑﻦ اﻟﺰﺑﻴﺮ ﻟﺠﺄ ﺇﻟﻰ اﻟﺒﻴﺖ، ﻭاﻟﺒﻴﺖ ﻻ ﻳﻤﻨﻊ ﺧﺎﻟﻊ ﻃﺎﻋﺔ ﻭﻻ ﻋﺎﺻﻴﺎ، ﻭﻟﻮ ﺃﻧﻪ اﺗﻘﻰ اﻟﻠﻪ -[373]- ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻭﺧﺮﺝ ﺇﻟﻴﻨﺎ ﻓﺄﺻﺤﺮ ﻟﻨﺎ، ﻓﺈﻣﺎ ﺃﻥ ﻳﻈﻔﺮ ﻭﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﻧﻈﻔﺮ ﺑﻪ، ﻓﻴﺴﺘﺮﻳﺢ اﻟﻨﺎﺱ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﺤﺼﺮ ﻗﺎﻝ: ﻓﺪﺧﻞ اﻟﻘﻮﻡ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﻭﻗﺪ ﻛﻔﻮا ﺭﻣﻲ اﻟﻤﻨﺠﻨﻴﻖ، ﻓﻤﺮﻭا ﺑﺎﺑﻦ اﻟﺰﺑﻴﺮ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ ﻭﻫﻮ ﻗﺎﺋﻢ ﻳﺼﻠﻲ ﺧﻠﻒ اﻟﻤﻘﺎﻡ، ﻓﺘﺮﻛﻮﻩ ﺣﺘﻰ ﻃﺎﻓﻮا ﺑﺎﻟﺒﻴﺖ ﻭﺑﻴﻦ اﻟﺼﻔﺎ ﻭاﻟﻤﺮﻭﺓ، ﺛﻢ ﻋﺎﺩﻭا ﺇﻟﻴﻪ ﻓﺬﻛﺮﻭا ﻟﻪ ﻣﺎ ﻗﺎﻝ ﻟﻬﻢ اﻟﺤﺠﺎﺝ، ﻓﻘﺎﻝ اﺑﻦ اﻟﺰﺑﻴﺮ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ: ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻟﻬﺬا ﻛﺎﺭﻫﺎ ﻟﻢ ﻳﺮﻡ اﻟﻜﻌﺒﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ , ﻭاﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺗﻘﻊ ﺣﺠﺎﺭﺗﻪ ﺇﻻ ﻓﻴﻬﺎ ﻗﺎﻝ: ﻓﻨﻈﺮ اﻟﻘﻮﻡ ﺇﻟﻰ اﻟﻜﻌﺒﺔ ﻣﺘﻮﻫﻨﺔ ﻣﻦ اﻟﺤﺠﺎﺭﺓ

ولننتقل للعصر العباسي، تعرضت مكة في عهدهم لكثير من الأحداث الدامية بسبب أعمال العنف وحركات التمرد التي كان يقوم بها الأشراف العلويون. ولعل أخطر الأحداث التي شهدتها مكة تلك التي قام بها القرامطة في أثناء عدوانهم عليها سنة 317هـ/929م وعلى قيادتهم أبو طاهر القرمطي حيث قتلوا آلاف الحجاج وطمروا بئر زمزم واقتلعوا الحجر الأسود من مكانه إلى أن أعيد بأمر من الخليفة العبيدي الفاطمي المنصور بن القائم سنة 330هـ/941م. وعلى العموم كان الحجاز برمته -ومكة جزء منه- موضع نزاع منذ بداية القرن الرابع الهجري بين الفاطميين في مصر والعباسيين في العراق

وفي أثناء تلك النزاعات ظهرت على مسرح الأحداث بعض الأسر الشريفة التي استغلت الصراع ما بين الفاطميين والعباسيين فحكمت الحجاز باسم الدول المتغلبة حتى نهاية الحكم العثماني، وهذه الأسر مطلقًا تدعي نسبتها بعلي رضي الله عنه وكانت مكة مركز إقامتهم الدائمة، وأول من تقلد حكم الحجاز منها الأسرة الموسوية (نسبة إلى موسى الجون ) التي حكمت مكة حتى سنة (358هـ= 968م)، ثم الأسرة السليمانية (نسبة إلى محمد بن سليمان) الذي خلع طاعة العباسيين واستمر أبناؤه وأحفاده على حكم مكة والمدينة حتى عام (454هـ= 1062م)، ثم أسرة الهواشم (نسبة لأبي هاشم محمد بن الحسن) حتى عام (572هـ= 1176م)، ثم أسرة قتادة (نسبة إلى قتادة بن إدريس بن مطاعن من أهل ينبع) الذي استمر أبناؤه وأحفاده على حكمها حتى زوال نفوذ الأشراف عن الحجاز بعد الحرب العالمية الأولى، ليصبح هذا الأقليم بمدنه جزءًا من المملكة العربية السعودية اليوم

ومن هنا لنعلم أن إنهيار أي عصر أو خلافة أو حكم يكون سببه الفساد والفتنة، ولايقضي على أمة الا أبنائها

قال الله ( مَثَلُ ٱلَّذِینَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِیَاۤءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَیۡتا وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُیُوتِ لَبَیۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ)، ومن الأوجه لهذه الآية هو قول أنه لايدمر أمة الا أبنائها كما هو مثبت علمياً أنه لايدمر شبكة العنكبوت الأم الا أطفالها

قال الله (الۤمۤ (١) أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن یُتۡرَكُوۤا۟ أَن یَقُولُوۤا۟ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا یُفۡتَنُونَ (٢) وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَیَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ وَلَیَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَـٰذِبِینَ (٣) أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِینَ یَعۡمَلُونَ ٱلسَّیِّـَٔاتِ أَن یَسۡبِقُونَاۚ سَاۤءَ مَا یَحۡكُمُونَ (٤)﴾ [العنكبوت ١-٤]صدق الله العظيم 

المال والبنون زينة الحياة الدنيا

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام،، نكتب في باب المال والغنى، وما هو دور الغني في هذه الدنيا وماهي فتنته

قال الله ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ) صدق الله العظيم

وقال الله ( زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَ ٰ⁠تِ مِنَ ٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡبَنِینَ وَٱلۡقَنَـٰطِیرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَیۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَـٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَ ٰ⁠لِكَ مَتَـٰعُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ (١٤) ۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَیۡر مِّن ذَ ٰ⁠لِكُمۡۖ لِلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتࣱ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَا وَأَزۡوَ ٰ⁠جࣱ مُّطَهَّرَةࣱ وَرِضۡوَ ٰ⁠نࣱ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِیرُۢ بِٱلۡعِبَادِ (١٥)﴾ [آل عمران ١٤-١٥] صدق الله العظيم

وقال الله ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) صدق الله العظيم

وقال الله (وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمُ لِأَبِیهِ وَقَوۡمِهِۦۤ إِنَّنِی بَرَاۤءࣱ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ (٢٦) إِلَّا ٱلَّذِی فَطَرَنِی فَإِنَّهُۥ سَیَهۡدِینِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِیَةࣰ فِی عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ (٢٨) بَلۡ مَتَّعۡتُ هَـٰۤؤُلَاۤءِ وَءَابَاۤءَهُمۡ حَتَّىٰ جَاۤءَهُمُ ٱلۡحَقُّ وَرَسُولࣱ مُّبِین (٢٩) وَلَمَّا جَاۤءَهُمُ ٱلۡحَقُّ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحۡر وَإِنَّا بِهِۦ كَـٰفِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا۟ لَوۡلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُل مِّنَ ٱلۡقَرۡیَتَیۡنِ عَظِیمٍ (٣١) أَهُمۡ یَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَیۡنَهُم مَّعِیشَتَهُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡض دَرَجَـٰتࣲ لِّیَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضاً سُخۡرِیاً  وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ (٣٢) وَلَوۡلَاۤ أَن یَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّة وَ ٰ⁠حِدَة لَّجَعَلۡنَا لِمَن یَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَـٰنِ لِبُیُوتِهِمۡ سُقُفاً مِّن فِضَّة  وَمَعَارِجَ عَلَیۡهَا یَظۡهَرُونَ (٣٣) وَلِبُیُوتِهِمۡ أَبۡوَ ٰ⁠باً وَسُرُرًا عَلَیۡهَا یَتَّكِـُٔونَ (٣٤) وَزُخۡرُفاً وَإِن كُلُّ ذَ ٰ⁠لِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۚ وَٱلۡـَٔاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِینَ (٣٥)﴾ [الزخرف ٢٦-٣٥] صدق الله العظيم

وقال الله (وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا لَعِب  وَلَهۡو وَلَلدَّارُ ٱلۡـَٔاخِرَةُ خَیۡر لِّلَّذِینَ یَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ) صدق الله العظيم

على كل من رزقه الله بكثرة المال أن يعلم الأسباب لوجود هذا المال بين يديه. بالتأكيد ذكر لنا الله أنه من زينة الحياة الدنيا وكذلك قال لنا أنه فتنه (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)، فكيف أن يكون للغني فتنه ولا يكون الفقير فتنه؟ الفقير يعيش في مدرسة الدنيا الحقيقة وهي مدارس الشارع بمصطلحنا الحديث العامي، وهذا يعلم الكثير وعندما تصبح المسألة لديه مسألة صراع على البقاء، وهو لايخاف الله مثلاً، لن يفتح له الشيطان الطريق  إلا عن طريق مال الغني. فمثلاً قد يلجأ الفقير الذي لايخاف الله لبيع المخدرات مثلاً، إذا تلاحظ أن هذه التجارة لن تنجح الا إذا كانت صادرة من الفتنة التي أصيب بها الغني الذي لدية القوة والمال والذي بدوره وفر هذه التجارة لغيره. قس على مثل المخدرات ماهو أعلى منه وكذلك ماهو أقل منه، فمثلاً من يروج للحفلات التي تخالف الدين، والتي يحضرها آلاف الناس، هذا يفتح المجال لمن هو في حاجة للمال أن يعمل فيما لايرضي الله تحت مشروعه الشيطاني. قال الله(وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡتَرِی لَهۡوَ ٱلۡحَدِیثِ لِیُضِلَّ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ بِغَیۡرِ عِلۡم وَیَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عَذَابࣱ مُّهِین) صدق الله العظيم

فنرجع ونقول أن فتنة الغني هي الشيطان بذاته ولذلك لم يذكر لنا الله في كتابه عن فتنة الفقراء. ثم تدور مدرسة الحياة ليصبح هذا الفقير غنياً بل شيطاناً أقبح من الغني اللذي فتح له الباب، فيأخذ الغني الأول ذنبه وذنب من تسبب في دمارهم وهكذا. قال الله (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ). بينما الفقير الذي يخاف الله، هذا أجره على الله وله الخير كله فليكن عبداً شكوراً

لماذا الغِنى فتنه أيضاً؟ لأن النفس ضعيفة وتتأثر بالحال الذي تراه، فالمال في بعض الأحيان يجعل صاحبه معتقداً أنه من طبقة تختلف عن غيره، فلذلك وجدنا لدينا مصطلحات ماأنزل الله بها من سلطان كالطبقة المخملية أو حتى كبار القوم وغيرها من المصطلحات. وهذه الفتنة أصبحت سائدة في كل شيء فمثلاً ترى بعض الأشخاص من الفئات المتعلمة ينظرون لغيرهم بنظرة التعالي، وحتى على مستوى شيوخ الدين فيأتي أحدهم فيقول هذا جاهل وهذا لايفهم وجميعهم نسو أن رسولنا الكريم لم يبعث الا ليتمم مكارم الأخلاق، والتعميم بالتأكيد غير صحيح فيوجد الغني الطيب الذي ينفع الناس  ويشكر الله، نحن نختص هنا حالة وهي منتشرة في المجتمع

فالمال في الكثير من الأحيان، يجعل صاحبه يستكبر وهذا سبب تحول إبليس الى شيطان رجيم، هذه أكبر فتنه إذا تعلم هذا

قال الله ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا)، فيأتي مثلاً أحد الأغنياء فيمنع إبنه من الزواج من الفتاة التي تخاف الله، وذات جمال، وعلم، وحكمة، وحالها ميسور ولكنها ليست من هذه الطبقة المخملية فماذا لك أن تسمي هذا؟ لانقول على هذا شيء فللناس حرية الإختيار وكل هذا بإذن الله، ولكن إلا ما ترى العلة والمرض في نفوس هذه العينات وهذه قاعدة لن تتغير مع مرور الزمن. ولاننسى قول الله ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )، وإن تزوج الخبيث الطيبة أو العكس فأعلم أنها لحكمة لايعلمها إلا الله كما لدينا مثل في زوجة فرعون وكذلك زوجة سيدنا لوط

فلنعلم أن الباقيات الصالحات خير وأبقى كما قال عز وجل ( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)، قَالَ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيْر وَاحِد مِنْ السَّلَف : الْبَاقِيَات الصَّالِحَات الصَّلَوَات الْخَمْس وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَسَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس : الْبَاقِيَات الصَّالِحَات سُبْحَان اللَّه وَالْحَمْد لِلَّهِ وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَاَللَّه أَكْبَر وَهَكَذَا سُئِلَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَان بْن عَفَّان عَنْ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات مَا هِيَ ؟ فَقَالَ : هِيَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَسُبْحَان اللَّه وَالْحَمْد لِلَّهِ وَاَللَّه أَكْبَر وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيّ الْعَظِيم

فلماذا يشعر الغني أنه يختلف عن غيره؟ ببساطة لأنه بعيد عن كتاب الله إلا من رحم الله

قال الله في سورة الزخرف وقد وضعنا القصة كاملة في أول المقاله ( أَهُمۡ یَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَیۡنَهُم مَّعِیشَتَهُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡض دَرَجَـٰتࣲ لِّیَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضاً سُخۡرِیاً وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَیۡر مِّمَّا یَجۡمَعُونَ) صدق الله العظيم

قال إبن كثير في هذة الآية: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَة رَبّك ” أَيْ لَيْسَ الْأَمْر مَرْدُودًا إِلَيْهِمْ بَلْ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَاَللَّه أَعْلَم حَيْثُ يَجْعَل رِسَالَاته فَإِنَّهُ لَا يُنَزِّلُهَا إِلَّا عَلَى أَزْكَى الْخَلْق قَلْبًا وَنَفْسًا وَأَشْرَفَهُمْ بَيْتًا وَأَطْهَرهمْ أَصْلًا ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ مُبَيِّنًا أَنَّهُ قَدْ فَاوَتَ بَيْن خَلْقه فِيمَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الْأَمْوَال وَالْأَرْزَاق وَالْعُقُول وَالْفُهُوم وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْقُوَى الظَّاهِرَة وَالْبَاطِنَة فَقَالَ ” نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنهمْ مَعِيشَتهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا” الْآيَة . وَقَوْله جَلَّتْ عَظَمَته ” لِيَتَّخِذ بَعْضهمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ” قِيلَ مَعْنَاهُ لِيُسَخِّر بَعْضهمْ بَعْضًا فِي الْأَعْمَال لِاحْتِيَاجِ هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا قَالَهُ السُّدِّيّ وَغَيْره وَقَالَ قَتَادَة وَالضَّحَّاك لِيَمْلِك بَعْضهمْ بَعْضًا وَهُوَ رَاجِع إِلَى الْأَوَّل ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ ” وَرَحْمَة رَبّك خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ ” أَيْ رَحْمَة اللَّه بِخَلْقِهِ خَيْر لَهُمْ مِمَّا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْأَمْوَال وَمَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا

فهل يعلم الغني أن الله أعطاه هذه الأموال ليخدم غيره فقد سخره الله لوظيفة معينه في الحياة وسخره لغيره، فهل سيسخر هذا الغني هذه الأموال فيما لايرضي الله؟

ثم أنظر للآية التي تليها ماذا يقول فيها عز وجل (وَلَوۡلَاۤ أَن یَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّة وَ ٰ⁠حِدَة لَّجَعَلۡنَا لِمَن یَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَـٰنِ لِبُیُوتِهِمۡ سُقُفࣰا مِّن فِضَّةࣲ وَمَعَارِجَ عَلَیۡهَا یَظۡهَرُونَ) صدق الله العظيم

قال بعض السلف في هذه : إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُتابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وأنْتَ مُقِيمٌ عَلى مَعاصِيهِ فاحْذَرْهُ؛ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ مِنهُ يَسْتَدْرِجُكَ بِهِ

ويقول إبن عاشور في هذه الآية: (لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ حَرْفُ شَرْطٍ دَلَّ امْتِناعُ وُقُوعِ جَوابِها لِأجْلِ وُقُوعِ شَرْطِها، فَيَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أرادَ امْتِناعَ وُقُوعِ أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، أيْ أرادَ الِاحْتِرازَ مِن مَضْمُونِ شَرْطِها

لَمّا تَقَرَّرَ أنَّ مِن خُلُقِهِمْ تَعْظِيمَ المالِ وأهْلِ الثَّراءِ وحُسْبانَهم ذَلِكَ أصْلَ الفَضائِلِ ولَمْ يَهْتَمُّوا بِزَكاءِ النُّفُوسِ، وكانَ اللَّهُ قَدْ أبْطَلَ جَعْلَهُمُ المالَ سَبَبَ الفَضْلِ بِإبْطالَيْنِ، بِقَوْلِهِ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] وقَوْلُهُ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَعْرِيفِهِمْ أنَّ المالَ والغِنى لا حَظَّ لَهُما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ وجَعَلَ لِلْأشْياءِ حَقائِقَها ومَقادِيرَها فَكَثِيرًا ما يَكُونُ المالُ لِلْكافِرِينَ ومَن لا خَلاقَ لَهم مِنَ الخَيْرِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المالَ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى النّاسِ جَعَلَ لَهُ أسْبابًا نَظَمَها في سِلْكِ النُّظُمِ الِاجْتِماعِيَّةِ وجَعَلَ لَها آثارًا مُناسِبَةً لَها، وشَتّانَ بَيْنَها وبَيْنَ مَواهِبِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ والسَّرائِرِ الطَّيِّبَةِ، فالمالُ في الغالِبِ مَصْدَرٌ لِإرْضاءِ الشَّهَواتِ ومَرْصَدٌ لِلتَّفاخُرِ والتَّطاوُلِ. وأمّا مَواهِبُ النُّفُوسِ الطَّيِّبَةِ فَمَصادِرُ لِنَفْعِ أصْحابِها ونَفْعِ الأُمَّةِ، فَفي أهْلِ الشَّرِّ أغْنِياءُ وفُقَراءُ وفي أهْلِ الخَيْرِ أمْثالُ ذَلِكَ، فَظَهَرَ التَّبايُنُ بَيْنَ آثارِ كَسْبِ المالِ وأثارِ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ- انتهى

فلك أن تخاف بعد هذا، وتذكر قوله تعالى ( إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودࣱ (٦) وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ ذَ ٰ⁠لِكَ لَشَهِید (٧) وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلۡخَیۡرِ لَشَدِیدٌ)، وأعلم أن من كان لديه المال، ثم فشل في الإختبار، ثم أصبح فقيراً، هذا يجب عليه أن يتوب ويشكر الله. لأن من يستمر في إستخدام المال فيما لايرضي الله، وتراه يستمر ويكبر ويطغى يوم بعد يوم، إعلم أن هذا نهايته نهاية حزينة سواء في الدنيا وخاصة في الآخرة فهذا ينطبق عليه ( مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ )، وقوله (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ). ويرافق هذا المرض صفة الهمز واللمز ( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ )، فهم يختصون بجمع المال وعده كذلك ( الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ )، ولن يجعله ماله خالد ( يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ )، فلهذا إحذر لأن هذا بالتأكيد ينطبق على بعض الأغنياء المسلمين في هذا الزمان وحتى غيره فلاتكن منهم

وليكن شعارك أيها الغني قوله تعالى (وَٱبۡتَغِ فِیمَاۤ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡـَٔاخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَاۖ وَأَحۡسِن كَمَاۤ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَیۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِی ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِینَ)، ولاتنسى أن هذه الآية في سورة القصص أتت بعد قصة قارون الذي جعله الله عبره للعالمين فلاتكن مثله، وقارون العصر هم من يسيطرون على البنوك وينشرون الفساد ويمولون الحروب مصرحين بأنهم الطبقة العليا أي شعب الله المختار وأن الأرض لهم

وفي الختام نقول، أن المال نعمه ومسؤوليه فلننظر في الحكمة التي وضعها الله لنا في كتابه فيما يخص توظيف مال الغني ولك أيها الغني بتدبر سورة الإسراء فكما هي خطاب لبني إسرائيل، وكما هي أمل لجنود الله على الأرض، هي كذلك تختص بتنوير الأغنياء للطريق الصحيح

فقال الله لبني إسرائيل فيها ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَٰكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا)، فأعطاهم المال ولكن صم بكم لايسمعون، فأخذو بنشر الفساد والظلم، فبماذا وعدهم الله؟ قال ( وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا )، وقد وقعت عليهم اللعنة الى يوم الدين وتدور الدنيا ويُقلب كل شيء عليهم في آخر الزمان فلك أن تخاف من هذا

وقال الله فيها (وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَٰهَا تَدْمِيرًا ) صدق الله العظيم

ويقول لك الله فيها ( مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا ) صدق الله العظيم

وقال بعدها (وَمَنْ أَرَادَ ٱلْءَاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ) صدق الله العظيم

ثم قال بعدها (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)صدق الله العظيم

وبعدها قال ( ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْءَاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا )، فماذا تريد؟ العاجلة؟ أم الآخرة؟

وقال عز وجل ( وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) صدق الله العظيم

وقال ( إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِ ۖ وَكَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًا) صدق الله العظيم

وقال ( وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) صدق الله العظيم

وكذلك قال عز وجل فيها (وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولا) صدق الله العظيم

لن نكمل لكم باقي السورة الكريمة ولكن يأخي الكريم هذه السورة، إذا عملت بما فيها، بإذن الله ستكون غني في الدنيا وكذلك في الآخرة فهي نظام يرشدك في كيفية التحكم في مالك

والحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين